عندما يُذكر مضيق هرمز، غالبًا ما يتبادر إلى الذهن أنه مشكلة تخص دول الخليج فقط. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. هذا الممر الضيق هو أحد أهم الشرايين في الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيه يترك أثره حتى على دول لا تطل عليه، مثل الأردن.
في هذا المقال، سآخذك في جولة تبدأ من التاريخ، مرورًا بالواقع الحالي، وصولًا إلى ما قد يحدث فعليًا داخل الاقتصاد الأردني، خاصة في قطاع حساس مثل الزراعة.
لماذا مضيق هرمز مهم إلى هذه الدرجة؟
يمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات النفط العالمية وفق تقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. ببساطة، إذا توقف هذا الممر فإن الأسعار لا ترتفع فقط بل تقفز بشكل حاد.
لكن لفهم التأثير الحقيقي، من المهم النظر إلى التجارب السابقة.
دروس من التاريخ: ماذا حدث عندما تعطلت إمدادات النفط؟
1. أزمة النفط 1973
عندما قررت دول عربية وقف تصدير النفط، ارتفعت الأسعار بشكل كبير، وواجه العالم تضخمًا حادًا ونقصًا في الطاقة وتباطؤًا اقتصاديًا واسعًا، حيث تأثرت حتى الدول غير المنتجة للنفط نتيجة ارتباطها بالسوق العالمي للطاقة.
2. حرب الناقلات
حدثت حرب الناقلات خلال الفترة ما بين عامي 1984 و1988، وكانت جزءًا من الحرب الإيرانية العراقية. خلال هذه المرحلة، قامت كل من إيران والعراق باستهداف ناقلات النفط والسفن التجارية في الخليج العربي، خاصة بالقرب من مضيق هرمز، في محاولة لإضعاف اقتصاد الطرف الآخر وتعطيل صادراته النفطية. ومع تصاعد الهجمات، لم تقتصر الأضرار على الدول المتحاربة فقط، بل امتدت لتشمل سفنًا لدول أخرى، مما دفع قوى دولية مثل الولايات المتحدة إلى التدخل لحماية الملاحة البحرية، وهو ما أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف التأمين والشحن عالميًا حتى دون إغلاق كامل للمضيق.
3. هجمات أرامكو 2019
في 14 سبتمبر 2019، تعرضت منشآت شركة أرامكو السعودية في بقيق وخريص لهجوم باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ، مما أدى إلى تعطّل نحو 5.7 مليون برميل يوميًا من إنتاج النفط، أي ما يقارب نصف إنتاج السعودية وحوالي 5% من الإمدادات العالمية، وهو ما اعتُبر أحد أكبر الاضطرابات المفاجئة في سوق النفط عالميًا. وقد أدى هذا الهجوم إلى ارتفاع فوري في أسعار النفط وإثارة مخاوف واسعة بشأن أمن الطاقة العالمي، كما دفع الأسواق إلى إعادة تقييم المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بإمدادات النفط. يمكنك الرجوع إلى تقرير مفصل عبر تقرير رويترز عن الهجمات وكذلك صفحة توثيق الحدث Abqaiq–Khurais attack details التي تشرح حجم التأثير والانخفاض الكبير في الإنتاج العالمي.
ماذا عن الأردن؟
من الناحية الظاهرية، لا يعتمد الأردن بشكل مباشر على النفط المار عبر مضيق هرمز، إذ يحصل على احتياجاته من النفط الخام والمنتجات النفطية بشكل رئيسي من المملكة العربية السعودية، إضافة إلى واردات عبر السوق العالمي يتم تفريغها في ميناء العقبة على البحر الأحمر. كما استأنف الأردن في فترات سابقة استيراد النفط من العراق عبر صهاريج برية ضمن اتفاقيات ثنائية.
وبحسب بيانات رسمية وتقارير دولية، يعتمد الأردن بشكل شبه كامل على الاستيراد لتغطية احتياجاته من الطاقة، حيث يتم تأمين هذه الإمدادات عبر مسارات لا تمر مباشرة بمضيق هرمز، وهو ما يمنحه قدرًا من الحماية الجغرافية (eia.gov،).
لكن رغم ذلك، فإن هذه الحماية لا تمتد إلى الأسعار، لأن النفط يُسعّر عالميًا، وأي اضطراب في الإمدادات عبر مضيق هرمز ينعكس مباشرة على الأسعار التي يدفعها الأردن، حتى لو لم تتأثر طرق التوريد بشكل مباشر.
التأثير المباشر
يمتلك الأردن بعض عناصر الاستقرار في قطاع الطاقة، إلا أن هناك حقائق أساسية تحكم طبيعة تأثره:
- أسعار النفط تُحدد عالميًا وفق الأسواق الدولية، بغض النظر عن مسار التوريد.
- يعتمد الأردن على الاستيراد لتغطية أكثر من 90% من احتياجاته من الطاقة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
- أي اضطراب في أسواق الطاقة العالمية ينعكس عليه بشكل شبه فوري من خلال الأسعار.
كما أن أي إغلاق لـ مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا نتيجة مرور نحو 20% من إمدادات النفط العالمية عبره، مما يجعل تعويض هذا النقص بسرعة أمرًا صعبًا.
بالتالي، حتى في حال استمرار تدفق الإمدادات إلى الأردن عبر مسارات بديلة، فإن التأثير المباشر يظهر في ارتفاع كلفة الطاقة على الاقتصاد المحلي.
التأثيرات غير المباشرة
ارتفاع أسعار النفط
أي انخفاض في الإمدادات العالمية يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما حدث فعليًا في أزمات مشابهة، حيث قفزت الأسعار نتيجة التوترات الجيوسياسية .
ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين
إغلاق أو تهديد المضيق يؤدي إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، لأن شركات النقل تعتبر المنطقة عالية المخاطر، ما ينعكس على أسعار السلع عالميًا.
التضخم المحلي
نتيجة ارتفاع الطاقة والنقل، ترتفع أسعار السلع والخدمات داخل الأردن.
القطاع الزراعي في الأردن
التأثير لا يقتصر على الطاقة فقط، بل يمتد إلى الغذاء والزراعة بشكل واضح، خاصة في بلد يعاني أصلًا من محدودية الموارد المائية وارتفاع كلف الإنتاج.
كلفة الإنتاج
تعتمد الزراعة في الأردن على الوقود في تشغيل المعدات وضخ المياه من الآبار، وهي عملية كثيفة الاستهلاك للطاقة. ومع ارتفاع أسعار النفط عالميًا، ترتفع مباشرة كلفة الإنتاج الزراعي، وهو ما أكدته تقارير منظمة الأغذية والزراعة حول ارتباط أسعار الطاقة بتكاليف الإنتاج الزراعي.
المدخلات الزراعية
جزء كبير من الأسمدة عالميًا يُنتج في دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية وقطر، كما أن تجارة الأسمدة والبتروكيماويات تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعلها حساسة لأي اضطراب في هذا الممر. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن أسعار الأسمدة ترتبط بشكل وثيق بأسعار الطاقة وسلاسل التوريد العالمية.
بالتالي، أي تعطّل في المضيق يؤدي إلى ارتفاع أسعار هذه المدخلات بشكل مباشر أو غير مباشر.
أسعار الغذاء
ارتفاع كلفة الإنتاج والمدخلات يؤدي إلى زيادة أسعار الغذاء محليًا، وهو ما ينعكس على المستهلك، خاصة في السلع الطازجة.
البندورة كمثال واضح
يُلاحظ أن ارتفاع أسعار البندورة في الأردن يكون أكثر وضوحًا مقارنة بغيرها من المنتجات، وذلك لأنها من السلع الأساسية اليومية في استهلاك الأسر، ما يجعل أي تغير في سعرها محسوسًا بسرعة. كما أنها سريعة التلف ولا يمكن تخزينها لفترات طويلة، لذلك يعتمد السوق بشكل كبير على الإنتاج اليومي، مما يجعل الأسعار تتأثر فورًا بأي نقص في الكميات. إضافة إلى ذلك، فإن إنتاجها حساس للتقلبات الجوية، فضلًا عن ارتباط تكلفتها المباشر بأسعار الوقود بسبب الاعتماد على الري والنقل، إلى جانب تأثير التصدير إلى أسواق مثل العراق، وهو ما قد يقلل المعروض محليًا ويرفع الأسعار بشكل ملحوظ.
الصادرات الزراعية
ارتفاع تكاليف الشحن والنقل يقلل من تنافسية المنتجات الأردنية في الأسواق الخارجية، خاصة مع اعتماد التصدير على النقل البري والبحري.
التأثير طويل المدى
مع استمرار الأزمة، قد تتجه تداعياتها إلى ما هو أعمق من مجرد ارتفاع التكاليف قصيرة الأجل، حيث يُحتمل أن يتراجع الاستثمار في القطاع الزراعي نتيجة انخفاض الجدوى الاقتصادية وارتفاع المخاطر. كما قد يؤدي ذلك إلى زيادة الاعتماد على استيراد الغذاء من الخارج، الأمر الذي يرفع من درجة تعرض الأردن للتقلبات العالمية في الأسعار وسلاسل التوريد. وفي هذا السياق، يتزايد الضغط على الأمن الغذائي، وهو ما تحذر منه تقارير البنك الدولي، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد كل من الطاقة والغذاء.
الخلاصة
إغلاق مضيق هرمز لا يعني بالضرورة انقطاع إمدادات النفط عن الأردن، لكنه يفتح الباب أمام موجة واسعة من الارتفاعات في الأسعار تمتد من الطاقة إلى النقل ثم إلى الغذاء. فرغم اعتماد الأردن على مصادر بديلة مثل المملكة العربية السعودية، إلا أن ارتباطه بالسوق العالمي يجعله عرضة لأي اضطراب في هذا الممر الحيوي.
وتظهر التأثيرات بشكل أوضح في القطاعات الحساسة مثل الزراعة، حيث ترتفع كلف الإنتاج والمدخلات، وتزداد أسعار الغذاء، وتتراجع القدرة التنافسية للصادرات. ومع استمرار الأزمات، قد تتعمق التحديات لتشمل الاستثمار والأمن الغذائي.
بالتالي، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر الموارد، بل في قدرة الاقتصاد الأردني على التكيف مع ارتفاع تكاليفها في ظل تقلبات عالمية متسارعة.